القرطبي
162
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
لمعنى " لو " فلا يدخل واحد منهما على الاخر ، فالمعنى : ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية لا يتبعون قبلتك . قال سيبويه : ومعنى " ولئن أرسلنا ريحا فرأوه مصفرا لظلوا " ليظلن . قوله تعالى : " وما أنت بتابع قبلتهم " لفظ خبر ويتضمن الامر ، أي فلا تركن إلى شئ من ذلك . ثم أخبر تعالى أن اليهود ليست متبعة قبلة النصارى ولا النصارى متبعة قبلة اليهود ، عن السدي وابن زيد . فهذا إعلام باختلافهم وتدابرهم وضلالهم . وقال قوم : المعنى وما من اتبعك ممن أسلم منهم بمتبع قبلة من لم يسلم ، ولا من لم يسلم قبلة من أسلم . والأول أظهر ، والله تعالى أعلم . قوله تعالى : " ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك إذا لمن الظالمين " الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ، والمراد أمته ممن يجوز أن يتبع هواه فيصير باتباعه ظالما ، وليس يجوز أن يفعل النبي صلى الله عليه وسلم ما يكون به ظالما ، فهو محمول على إرادة أمته لعصمة النبي صلى الله عليه وسلم وقطعنا أن ذلك لا يكون منه ، وخوطب النبي صلى الله عليه وسلم تعظيما للامر ولأنه المنزل عليه . والأهواء : جمع هوى ، وقد تقدم ( 1 ) ، وكذا " من العلم " تقدم ( 2 ) أيضا ، فلا معنى للإعادة . قوله تعالى : الذين آتيناهم الكتب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون ( 146 ) . قوله تعالى : " الذين آتيناهم الكتب يعرفونه أبناءهم " " الذين " في موضع رفع بالابتداء والخبر " يعرفونه " . ويصح أن يكون في موضع خفض على الصفة ل " لظالمين " ، و " يعرفون " في موضع الحال ، أي يعرفون نبوته وصدق رسالته ، والضمير عائد على محمد صلى الله عليه وسلم ، قاله مجاهد وقتادة وغيرهما . وقيل : " يعرفون " تحويل القبلة عن بيت المقدس إلى الكعبة أنه حق ، قاله ابن عباس وابن جريج والربيع وقتادة أيضا .
--> ( 1 ) راجع ج 94 من هذا الجزء . ( 2 ) راجع ص 95 من هذا الجزء .